تقنية ورقمياتركن أولياء الأمورمقالات عامة

خطر "الشيرنتينج" (Sharenting): لماذا يجب أن تتوقف فوراً عن نشر صور أطفالك على الإنترنت؟

nn

إنه صباح اليوم الأول في المدرسة. طفلك يرتدي زيه الجديد، يحمل حقيبته الملونة، ويبتسم تلك الابتسامة البريئة التي تذيب القلوب. غريزياً، تخرج هاتفك، تلتقط الصورة، وفي ثوانٍ معدودة تكون الصورة على فيسبوك وانستجرام مع تعليق: “أول يوم دراسة لحبيبي.. بالتوفيق يا بطل”. تنهال اللايكات والتعليقات المهنئة، وتشعر بالفخر والسعادة.

n n

خطر "الشيرنتينج" (Sharenting): لماذا يجب أن تتوقف فوراً عن نشر صور أطفالك على الإنترنت؟

 

nn

يبدو مشهداً طبيعياً جداً، أليس كذلك؟ نحن جميعاً نفعل ذلك. نحن نحب أطفالنا، ونريد مشاركة لحظاتهم السعيدة مع العائلة والأصدقاء. ولكن، هل سألت نفسك يوماً: أين تذهب هذه الصورة؟ ومن يملكها فعلياً؟ وماذا يمكن أن يحدث لها بعد 10 سنوات؟

nn

في عام 2025، لم تعد مشاركة الصور مجرد “ألبوم عائلي” بريء. لقد دخلنا حقبة جديدة ومخيفة أطلق عليها الخبراء اسم “الشيرنتينج” (Sharenting) – وهو مصطلح يدمج بين (Sharing) المشاركة و (Parenting) التربية. والمشكلة اليوم لم تعد تقتصر على “الخصوصية” بمفهومها القديم، بل تفاقمت مع ظهور وحش جديد يسمى “الذكاء الاصطناعي”.

nn

هذا المقال قد يكون صادماً للبعض، ولكنه ضروري. سنناقش فيه لماذا قد تكون تلك الصورة البريئة هي “أخطر” هدية تقدمها لطفلك، وكيف تحمي مستقبله الرقمي قبل فوات الأوان.

nn

الفصل الأول: البصمة الرقمية.. الوشم الذي لا يزول

nn

قبل أن يتعلم طفلك المشي أو الكلام، تكون أنت قد بنيت له “هوية رقمية” (Digital Identity) كاملة دون موافقته. تشير الدراسات إلى أن الطفل العادي يكون لديه حوالي 1500 صورة منشورة على الإنترنت قبل أن يبلغ الخامسة من عمره!

nn

المشكلة في الإنترنت هي قاعدة واحدة بسيطة ومرعبة: “ما يُنشر، يبقى للأبد”. حتى لو حذفته، فقد تم أرشفته، أو تحميله، أو أخذ “سكرين شوت” له.

n

أنت لا تنشر صورة، أنت ترسم “وشماً” رقمياً على جبين طفلك سيلازمه طوال حياته. تخيل شاباً في العشرين يتقدم لوظيفة مرموقة، ليجد مدير التوظيف (أو زملاءه) يبحثون عن اسمه ويجدون صوراً محرجة له وهو رضيع، أو فيديوهات له وهو يبكي في نوبة غضب (Tantrum) نشرها والداه “للضحك”. أنت بذلك تسلب طفلك حقه في “صياغة هويته” بنفسه عندما يكبر.

nn

الفصل الثاني: الكابوس الجديد.. الذكاء الاصطناعي (Deepfakes)

nn

إذا كان الكلام السابق عن “الإحراج” يبدو هيناً، فهذا الفصل هو السبب الحقيقي الذي يجب أن يدفعك للتوقف فوراً. التكنولوجيا تطورت بشكل مرعب.

nn

1. سرقة الهوية (Identity Theft)

n

صور طفلك عالية الدقة تحتوي على بيانات بيومترية (ملامح الوجه). خوارزميات الذكاء الاصطناعي الآن قادرة على استخدام هذه الصور لسرقة “هويته الرقمية” واستخدامها في عمليات احتيال مستقبلية. في بعض الدول، بدأت البنوك وشركات الأمن تحذر من أن “تاريخ ميلاد الطفل” + “صوره المتتابعة” هي كنز للمحتاين لفتح حسابات مزيفة باسمه.

nn

2. التزييف العميق (Deepfakes)

n

وهذا هو الجانب المظلم جداً. يمكن لأي شخص سيء النية أن يأخذ صورة “بريئة” لوجه طفلك، وباستخدام برامج AI متاحة للعامة، يقوم بتركيب هذا الوجه على فيديوهات أخرى (غير لائقة أو إباحية أو مهينة). تخيل حجم الكارثة النفسية والاجتماعية التي قد تقع.

nn

3. استنساخ الصوت (Voice Cloning)

n

هل نشرت فيديو لطفلك وهو يتحدث؟ بضع ثوانٍ من صوته كافية للذكاء الاصطناعي لاستنساخ “نبرة صوته” بالكامل. يستخدم المحتالون هذا الآن في “عمليات الخطف الوهمي”، حيث يتصلون بالأهل ويسمعونهم “صوت طفلهم” يطلب المساعدة لابتزازهم مالياً.

nn

الفصل الثالث: المخاطر الجسدية.. أنت تقدم خريطة للمتربصين

nn

نعود للعالم الواقعي. عندما تنشر صورة “أول يوم مدرسة”، هل لاحظت التفاصيل؟

n

    n

  • شعار المدرسة واضح على القميص (يحدد الموقع بدقة).
  • n

  • معالم الشارع أو الحديقة المجاورة للمنزل واضحة.
  • n

  • أحياناً يتم تفعيل ميزة “الموقع الجغرافي” (Geo-tagging) تلقائياً مع الصورة.
  • n

n

أنت ببساطة تقدم “خريطة تفاعلية” لأي شخص متربص (مختطف، أو حتى شخص غريب الأطوار) ليخبره: “هذا الطفل يدرس في هذه المدرسة، ويخرج في هذه الساعة، ويعيش في هذا الحي”. المعلومات التي تبدو لك عادية، هي “معلومات استخباراتية” للمتربصين.

nn

الفصل الرابع: التأثير النفسي.. “أمي، لماذا نشرتِ هذا؟”

nn

بعيداً عن الجرائم والتكنولوجيا، هناك جانب نفسي عميق: الثقة.

n

عندما يكبر الطفل ويصبح مراهقاً، ويبدأ في تكوين “استقلاليته”، سيكتشف أن حياته الخاصة كانت “مباحة” للغرباء لسنوات. هذا يولد شعوراً بـ “انتهاك الخصوصية” و “فقدان السيطرة”.

n

في السنوات الأخيرة، بدأنا نرى قضايا قانونية حقيقية يرفعها أبناء (بمجرد بلوغهم السن القانوني) ضد آبائهم بسبب نشر صورهم دون موافقتهم، مطالبين بتعويضات عن الضرر النفسي والإحراج. هل تريد أن تكون علاقتك بطفلك في المستقبل مهددة بسبب “لايكات” جمعتها اليوم؟

nn

الفصل الخامس: الحل العملي.. كيف تشارك بذكاء وأمان؟

nn

نحن نعلم أنك لا تريد “إخفاء” طفلك، وأنك تحب مشاركة الفرحة. لذا، إليك “قواعد الأمان” لمشاركة الصور في 2025:

nn

1. قاعدة “الأصدقاء المقربين فقط”

n

لا تنشر صور أطفالك “للعامة” (Public) أبداً. استخدم إعدادات الخصوصية لتجعل الصور مرئية لـ “العائلة والأصدقاء المقربين” فقط. أو الأفضل: أنشئ “مجموعة مغلقة” (Private Group) للعائلة على واتساب أو تيليجرام وشارك الصور هناك. هؤلاء هم من يهتمون حقاً، وليس الـ 5000 صديق على فيسبوك.

nn

2. إخفاء الملامح (The Emoji Trick)

n

إذا كنت مضطراً للنشر للعامة، استخدم “الإيموجي” لتغطية وجه الطفل، أو التقط الصور من “الخلف” (Back shot) أو من زاوية لا تظهر ملامح الوجه كاملة. هذا يحمي “البيانات البيومترية” لطفلك من خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

nn

3. فحص الخلفية (Background Check)

n

قبل نشر أي صورة، افحص الخلفية بدقة: هل يظهر اسم المدرسة؟ هل يظهر اسم الشارع؟ هل يظهر رقم السيارة؟ هل تظهر أي معلومات تحدد موقعكم؟ إذا كانت الإجابة نعم، لا تنشرها (أو قم بقص الصورة).

nn

4. استئذان الطفل (نعم، حتى الصغير)

n

بمجرد أن يبدأ طفلك في الكلام والفهم (سن 4 أو 5 سنوات)، ابدأ في سؤاله: “هذه الصورة جميلة، هل توافق أن أريها لجدتك؟”. هذا يزرع فيه مفهوم “الموافقة” (Consent) والحدود الشخصية منذ الصغر.

nn

الخاتمة: احمِ قصتهم حتى يكتبوها بأنفسهم

nn

طفلك ليس “محتوى” (Content). طفلك إنسان له حق كامل في الخصوصية، وله الحق في أن يقرر – عندما يكبر – كيف يريد أن يقدم نفسه للعالم الرقمي.

n

دورنا كآباء هو “حماية” هذا الحق حتى يحين وقته. في المرة القادمة التي ترفع فيها هاتفك لالتقاط صورة، التقطها “للذكرى” واحتفظ بها في “ألبوم خاص”، وليس “للنشر”. صدقني، فرحة الاحتفاظ باللحظة في قلبك (وهاتفك) أكبر بكثير وأكثر أماناً من فرحة “اللايكات” العابرة.

nn

شاركنا في التعليقات: هل فكرت من قبل في مخاطر الـ AI على صور أطفالك؟ وما هي القاعدة التي ستبدأ بتطبيقها اليوم؟

nn

محمد مسعد

معلم لغة عربية، خريج كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في التربية. رحلتي بدأت من حب اللغة والتعليم، لكن شغفي بالتكنولوجيا أخذني لمنطقة أبعد؛ وهي إيجاد حلول رقمية تسهّل حياة المعلم وتطور مهارات الطالب. أسست موقع 'أستاذ بلس' ومنصة 'تحضيري المتطور' وتطبيق 'سجال'، وهدفي هو دمج التعليم التقليدي بمهارات العصر؛ لنفتح أبواب حقيقية لسوق العمل الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى